الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التي قبلها تعيّن انصراف معنى ارتقاء رتبة معنى الجملة الثانية هو أن المتوعد به الثاني أعظم مما يحسبون . وضمير سَيَعْلَمُونَ في الموضعين يجري على نحو ما تقدم في ضمير يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] وضمير فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [ النبأ : 3 ] . [ 6 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 6 ] أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) لما كان أعظم نبأ جاءهم به القرآن إبطال إلهية أصنامهم وإثبات إعادة خلق أجسامهم ، وهما الأصلان اللذان أثارا تكذيبهم بأنه من عند اللّه وتألبهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وترويجهم تكذيبه ، جاء هذا الاستئناف بيانا لإجمال قوله : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [ النبأ : 2 ، 3 ] . وسيجيء بعده تكملته بقوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [ النبأ : 17 ] . وجمع اللّه لهم في هذه الآيات للاستدلال على الوحدانية بالانفراد بالخلق ، وعلى إمكان إعادة الأجساد للبعث بعد البلى بأنها لا تبلغ مبلغ إيجاد المخلوقات العظيمة ولكون الجملة في موقع الدليل لم تعطف على ما قبلها . والكلام موجه إلى منكري البعث وهم الموجه إليهم الاستفهام فهو من قبيل الالتفات لأن توجيه الكلام في قوة ضمير الخطاب بدليل عطف وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً [ النبأ : 8 ] عليه . والاستفهام في أَ لَمْ نَجْعَلِ تقريري وهو تقرير على النفي كما هو غالب صيغ الاستفهام التقريري أن يكون بعده نفي والأكثر كونه بحرف ( لم ) ، وذلك النفي كالإعذار للمقرّر إن كان يريد أن ينكر وإنما المقصود التقرير بوقوع جعل الأرض مهادا لا بنفيه فحرف النفي لمجرد تأكيد معنى التقرير . فالمعنى : أجعلنا الأرض مهادا ولذلك سيعطف عليه وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وتقدم عند قوله تعالى : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في سورة البقرة [ 33 ] . ولا يسعهم إلا الإقرار به قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] ، وحاصل الاستدلال بالخلق الأول لمخلوقات عظيمة أنه يدل على إمكان الخلق الثاني لمخلوقات هي دون المخلوقات الأولى قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ( أي الثاني ) وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ غافر : 57 ] .